عَنْ الصِّرَاعِ الخَفِيِّ بَيْنَ الذَّاكِرَةِ وَالزَّمَنِ، حِينَ يُصْبِحُ التَّفْكِيرُ مُحَاوَلَةً يَائِسَةً لِلنَّجَاةِ مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَغْيِيرُهُ.
هُنَاكَ عُقُولٌ لَا تَهْدَأُ، تَظَلُّ تَعْمَلُ حَتَّى فِي أَقْصَى حَالَاتِ التَّعَبِ، كَأَنَّهَا تَخَافُ أَنْ تَتَوَقَّفَ. حِينَ يَنَامُ الجَسَدُ، يَبْقَى الفِكْرُ مُسْتَيْقِظًا، يُعِيدُ تَرْتِيبَ الأَحْدَاثِ، وَيُرَاجِعُ الحِوَارَاتِ القَدِيمَةَ، وَيَتَأَمَّلُ المَوَاقِفَ الَّتِي مَرَّتْ كَأَنَّهَا لَمْ تَنْتَهِ بَعْدُ. إِنَّهَا تِلْكَ العُقُولُ الَّتِي لَا تَعْرِفُ أَنْ تَقُولَ لِنَفْسِهَا «كَفَى»، لِأَنَّ التَّوَقُّفَ عَنِ التَّفْكِيرِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهَا يُشْبِهُ السُّقُوطَ فِي فَرَاغٍ مَجْهُولٍ. فَالفِكْرُ، مَهْمَا أَرْهَقَهَا، يُمْنِحُهَا وَهْمَ السَّيْطَرَةِ.
نَحْنُ لَا نُعَانِي مِنَ التَّفْكِيرِ الزَّائِدِ لِأَنَّنَا نُحِبُّ التَّفْكِيرَ، بَلْ لِأَنَّنَا لَا نَحْتَمِلُ الغُمُوضَ. نُعِيدُ مَشْهَدًا قَدِيمًا فِي أَذْهَانِنَا لِأَنَّنَا نَبْحَثُ عَنْ تَفْسِيرٍ يُهَدِّئُ القَلْبَ، عَنْ جُمْلَةٍ نَاقِصَةٍ، عَنْ مَعْنًى يُعِيدُ التَّوَازُنَ لِمَا فُقِدَ. وَلَكِنَّ المُشْكِلَةَ أَنَّ المَاضِي لَا يُقَدِّمُ إِجَابَاتٍ جَدِيدَةً، إِنَّهُ يُكَرِّرُ ذَاتَهُ كُلَّ مَرَّةٍ، وَنَحْنُ مَنْ نُعِيدُ تَشْغِيلَهُ بِإِصْرَارٍ مُؤْلِمٍ.
التَّفْكِيرُ الزَّائِدُ فِي المَاضِي نَوْعٌ مِنَ المُقَاوَمَةِ النَّفْسِيَّةِ لِلْخَسَارَةِ. حِينَ نَعْجِزُ عَنْ تَقَبُّلِ مَا حَدَثَ، نُحَاوِلُ إِصْلَاحَهُ فِي عُقُولِنَا. نُحَاوِرُ مَنْ رَحَلُوا بِصَمْتٍ، نُعِيدُ كِتَابَةَ مَا قُلْنَاهُ، وَكَأَنَّ التَّعْدِيلَ فِي الذَّاكِرَةِ قَادِرٌ عَلَى تَغْيِيرِ النَّتِيجَةِ. نُحَلِّلُ الوَجَعَ وَكَأَنَّهُ لُغْزٌ يَحْتَاجُ إِلَى حَلٍّ، بَيْنَمَا الحَقِيقَةُ أَبْسَطُ مِنْ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ: مَا حَدَثَ قَدْ حَدَثَ، وَانْتَهَى. وَلَكِنَّ العَقْلَ، فِي مُحَاوَلَتِهِ لِلْفَهْمِ، يَرْفُضُ الِاعْتِرَافَ بِالنِّهَايَةِ، فَيُبْقِي الجُرْحَ مَفْتُوحًا لِيَظَلَّ لَدَيْهِ مَا يُدْرِسُهُ.
يَقُولُ عِلْمُ النَّفْسِ إِنَّ التَّفْكِيرَ الزَّائِدَ شَكْلٌ مِنْ آلِيَّاتِ الدِّفَاعِ. حِينَ يَشْعُرُ الإِنْسَانُ بِالْعَجْزِ أَمَامَ مَوْقِفٍ مُؤْلِمٍ، يَبْدَأُ العَقْلُ بِالتَّحْلِيلِ المُفْرِطِ لِيَهْرُبَ مِنَ الشُّعُورِ نَفْسِهِ. فَهُوَ لَا يُرِيدُ مُوَاجَهَةَ الحُزْنِ مُبَاشَرَةً، بَلْ يُفَضِّلُ الِالْتِفَافَ حَوْلَهُ عَبْرَ الأَسْئِلَةِ. وَلِذَا نَظَلُّ نُفَكِّرُ فِي «مَاذَا لَوْ؟» وَ«لِمَاذَا حَدَثَ هَذَا؟» بَدَلًا مِنْ أَنْ نُوَاجِهَ الحَقِيقَةَ الأَصْعَبَ: أَنَّ مَا نَخْشَاهُ لَمْ يَعُدْ بِالإِمْكَانِ تَغْيِيرُهُ. التَّفْكِيرُ الزَّائِدُ، إِذًا، قَلَقٌ مُتَنَكِّرٌ فِي هَيْئَةِ مَنْطِقٍ، يَلْبَسُ ثَوْبَ الفَهْمِ، لَكِنَّهُ فِي جَوْهَرِهِ خَوْفٌ مِنَ الِاعْتِرَافِ بِالوَجَعِ.
أَمَّا مِنْ مَنْظُورٍ فَلْسَفِيٍّ، فَالتَّفْكِيرُ الزَّائِدُ تَمَرُّدٌ عَلَى الزَّمَنِ. العَقْلُ الإِنْسَانِيُّ لَا يَحْتَمِلُ فِكْرَةَ الفَنَاءِ، وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ تَمْضِيَ اللَّحْظَةُ دُونَ أَنْ تُعَادَ. لِذَلِكَ نُحَاوِلُ، بِشَكْلٍ لَا وَاعٍ، أَنْ نُوقِفَ الزَّمَنَ دَاخِلَ وَعْيِنَا. نَحْفَظُ التَّفَاصِيلَ كَأَنَّ تَذَكُّرَهَا يُمْنِحُهَا حَيَاةً ثَانِيَةً، نُعِيدُ تَفْسِيرَ المَاضِي كَأَنَّنَا نَمْتَلِكُ سُلْطَةً عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ الزَّمَنَ لَا يَعُودُ بِالوَعْيِ، وَكُلُّ مُحَاوَلَةٍ لِإِيقَافِهِ نَوْعٌ مِنَ الوَهْمِ الجَمِيلِ وَالمُؤْلِمِ فِي آنٍ وَاحِدٍ. إِنَّنَا نُحَاوِلُ الإِمْسَاكَ بِالمَاءِ بِأَصَابِعِنَا، وَكُلَّمَا شَدَدْنَا قَبْضَتَنَا، تَسَرَّبَ أَكْثَرَ.
فِي هَذِهِ المَعْرَكَةِ الخَفِيَّةِ بَيْنَ العَقْلِ وَالزَّمَنِ، يُصْبِحُ الإِنْسَانُ عَالِقًا بَيْنَ مَا كَانَ وَمَا لَنْ يَكُونَ. لَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى العَوْدَةِ إِلَى المَاضِي لِيُصْلِحَهُ، وَلَا هُوَ قَادِرٌ عَلَى المُضِيِّ قُدُمًا دُونَ أَنْ يَنْظُرَ خَلْفَهُ. وَهُنَا يَظْهَرُ التَّعَبُ الحَقِيقِيُّ: تَعَبٌ مِنَ التَّفْكِيرِ لَا مِنَ الحَيَاةِ، تَعَبٌ مِنَ الدَّوَرَانِ دَاخِلَ دَائِرَةٍ مُغْلَقَةٍ مِنَ الأَسْئِلَةِ الَّتِي لَا إِجَابَاتَ لَهَا.
التَّحَرُّرُ مِنْ هَذِهِ الدَّائِرَةِ لَا يَأْتِي بِقَرَارٍ وَاحِدٍ، بَلْ بِفَهْمٍ عَمِيقٍ. أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ التَّفْكِيرَ لَا يُغَيِّرُ المَاضِي، وَأَنَّ الحُزْنَ لَا يُبَرِّرُ البَقَاءَ فِيهِ. أَنْ نُصْغِيَ إِلَى عُقُولِنَا حِينَ تَثُورُ، وَلَكِنْ دُونَ أَنْ نُطِيعَهَا دَائِمًا. أَنْ نَمْنَحَ الذَّاكِرَةَ حَقَّهَا فِي المُرُورِ، لَا فِي الإِقَامَةِ. فَهُنَاكَ لَحْظَةٌ نَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى أَنْ نَقُولَ لِنَفْسِنَا بِصِدْقٍ: «لَقَدْ حَدَثَ هَذَا، وَأَنَا أَقْبَلُهُ». تِلْكَ الجُمْلَةُ وَحْدَهَا كَفِيلَةٌ بِأَنْ تُعِيدَ لِلْعَقْلِ تَوَازُنَهُ، وَلِلنَّفْسِ سَكِينَتَهَا.
لَيْسَ المَطْلُوبُ أَنْ نَصْمُتَ تَمَامًا، بَلْ أَنْ نَتَعَلَّمَ فَنَّ الصَّمْتِ الدَّاخِلِيِّ؛ أَنْ نَعْرِفَ مَتَى نُفَكِّرُ، وَمَتَى نَتْرُكُ التَّفْكِيرَ يَمْضِي. فَالهُدُوءُ لَا يَعْنِي الغِيَابَ عَنِ الوَعْيِ، بَلِ الحُضُورَ الكَامِلَ دُونَ مُقَاوَمَةٍ. حِينَ يَتَصَالَحُ الإِنْسَانُ مَعَ عَجْزِهِ عَنِ الفَهْمِ، يَبْدَأُ نَوْعٌ آخَرُ مِنَ الفَهْمِ فِي التَّكَوُّنِ دَاخِلَهُ — فَهْمٌ لَا يَقُومُ عَلَى الكَلِمَاتِ، بَلْ عَلَى القَبُولِ.
فِي النِّهَايَةِ، لَا أَحَدَ يَنْجُو مِنَ التَّفْكِيرِ الزَّائِدِ تَمَامًا، وَلَكِنَّنَا نَتَعَلَّمُ أَنْ نَنْجُو مِنْهُ قَلِيلًا فِي كُلِّ مَرَّةٍ. نَتَعَلَّمُ أَنْ نَتْرُكَ الفِكْرَةَ تَمُرَّ دُونَ أَنْ نُطَارِدَهَا، أَنْ نُغْلِقَ بَابَ المَاضِي بِهُدُوءٍ، لَا بِالِإنْكَارِ بَلْ بِالِاعْتِرَافِ. وَحِينَ نَنْجَحُ فِي ذَلِكَ، نَكْتَشِفُ أَنَّ الصَّمْتَ لَيْسَ فَرَاغًا كَمَا كُنَّا نَظُنُّ، بَلْ رَاحَةٌ طَوِيلَةٌ كَانَ العَقْلُ يَطْلُبُهَا مُنْذُ البِدَايَةِ.
أُحَاوِلُ أَحْيَانًا أَنْ أُقْنِعَ عَقْلِي بِالتَّوَقُّفِ، وَلَكِنَّهُ يَعُودُ كَمَنْ يَخْشَى الصَّمْتَ.
أُرَاجِعُ مَشَاهِدَ قَدِيمَةً وَأَعْتَقِدُ أَنَّنِي أَفْهَمُهَا، ثُمَّ أُدْرِكُ أَنَّ الفَهْمَ لَا يُغَيِّرُ شَيْئًا.
بِقَلَمِ رُوزابِيل – أَكْتُبُ لِأَفْهَمَ، لَا لِأُفْهَمَ





احسد الي ماعندهم تفكير زائد ويمشي يومهم طبيعي
كل فقرة من مقالك تحاول تقنعنا إن التفكير الزايد مرض نبيل. بس ارل؟هو مجرد نتفليكس داخلي ما عنده زر توقّف.
تقولين: “نفكر لأننا نبحث عن معنى”… بس ما قلتي لنا متى نوقف؟ متى يصير التفكير فخ؟
ليش كل ما رجعنا للماضي نرجع نحفر فيه كأنه بيطلع لنا نسخة محسّنة من الحياة؟
الوجع ما هو لغز… والذاكرة ما هي معمل إعادة تدوير.
الناس اللي تعلق في دوامة “ليش صار؟ وش كان ممكن؟” ما يبغون إجابة، يبغون بس يتعاطفون مع نفسهم بشويّة شعر.
لكن الحياة ما تنتظر تحليلك، ولا قلبك، ولا حتى لغتك الفخمة.
الحياة تمشي، وتخلّي اللي ما استوعب، يطارد خيال الوقت وهو يظن أنه “يتأمل”.
وهنا الفرق بين الفهم… والتوهان تحت إضاءة فلسفية.
تحياتي،
سعود