فِي زَمَنٍ تَتَسَابَقُ فِيهِ الخُطَى، وَيَتَسَاقَطُ فِيهِ المَعْنَى أَحْيَانًا كَأَوْرَاقِ الخَرِيفِ، جَاءَ "الترند" لِيَكُونَ سُلْطَانَ المَشْهَدِ وَمِحْوَرَ الحِوَارِ. إِنَّهُ تِلْكَ المَوْجَةُ السَّرِيعَةُ الَّتِي تَجْرِي فِي فَضَاءِ الإِنْتِرْنِتِ وَتَجُرُّ مَعَهَا الآلَافَ مِنَ العُيُونِ وَالأَصَابِعِ، وَلَكِنَّهَا مَوْجَةٌ نَادِرًا مَا تَحْمِلُ جَوْهَرًا صَافِيًا.
فَفِي حِينٍ كَانَ المُفْتَرَضُ أَنْ يَكُونَ الترند مَنْصَّةً لِتَبَادُلِ الأَفْكَارِ وَتَسْلِيطِ الضَّوْءِ عَلَى القَضَايَا المُهِمَّةِ، أَصْبَحَ اليَوْمَ، فِي غَالِبِ الأَحْيَانِ، سَاحَةً لِسِلَاحِ الجَدَلِ وَعَرْضِ المَشَاهِدِ المُثِيرَةِ الَّتِي لَا تَتَجَاوَزُ أَعْيُنَ المُشَاهِدِينَ إِلَى عُقُولِهِمْ. وَبِذٰلِكَ، غَدَا المَحْتَوَى أَدَاةً لِجَذْبِ النَّقْرَاتِ وَالعُيُونِ، لَا لِإِثْرَاءِ الفِكْرِ أَوْ تَغْذِيَةِ الوَعْيِ.
وَمِنْ أَخْطَرِ مَا فِي الأَمْرِ أَنَّ سُلْطَةَ الترند أَضْحَتْ تُغْرِي الكَثِيرِينَ بِالتَّخَلِّي عَنِ القِيمِ الثَّابِتَةِ فِي سَبِيلِ لَحْظَةِ ضَوْءٍ زَائِفَةٍ. فَالتَّسَابُقُ عَلَى المَرَاكِزِ الأُولَى فِي قَائِمَاتِ المَوَاقِعِ وَالمَنْصَّاتِ أَصْبَحَ غَايَةً بَذَاتِهَا، حَتَّى لَوْ كَانَ السِّعْرُ هُوَ تَفْرِيغُ الفِكْرِ مِنْ مَضْمُونِهِ وَتَجْرِيدُ الكَلِمَةِ مِنْ قِيمَتِهَا.
وَالتَّارِيخُ الثَّقَافِيُّ يُعَلِّمُنَا أَنَّ مَا يَبْقَى لَيْسَ صَرْخَاتِ المَوْجَةِ الأُولَى، بَلِ الأَصْوَاتُ العَمِيقَةُ الَّتِي تَتَرَدَّدُ فِي صَدَى الزَّمَنِ. فَالمَوَادُّ الثَّقَافِيَّةُ الَّتِي أَثَّرَتْ فِي أَجْيَالٍ، لَمْ تَكُنْ يَوْمًا مُجَرَّدَ ترند عَابِرٍ، بَلْ كَانَتْ صَرْحًا مِنَ الفِكْرِ وَالإِبْدَاعِ بُنِيَ عَلَى أَسَاسٍ رَاسِخٍ.
أَمَّا "الترند" فَغَالِبًا مَا يَمْضِي كَخَيَالٍ مَارِقٍ، يُثِيرُ الغُبَارَ وَيُحَرِّكُ الضَّجِيجَ، وَلَكِنَّهُ لَا يَتْرُكُ أَثَرًا يُذْكَرُ إِلَّا فِي سِجِلَّاتِ الإِعْجَابِ وَالتَّعْلِيقَاتِ الَّتِي تُطْمَسُ سَرِيعًا بِمَوْجَةٍ أُخْرَى. وَهُنَا يَكْمُنُ الفَرْقُ بَيْنَ حَقِيقَةِ الإِبْدَاعِ وَزَيْفِ الحَدَثِ.



"و هنا يكمن الفرق حقيقة الإبداع و زيف الحدث"
جميل جداً
مقالة عظيمة وجيد ما كتبتِ!!🤍🤍