لَيْسَتِ الشَّجَرَةُ فِي الطَّبِيعَةِ مُجَرَّدَ مَنظَرٍ أَخْضَرَ يَمُرُّ بِهِ الإِنْسَانُ دُونَ الِانْتِبَاهِ، بَلْ هِيَ صُورَةٌ هَادِئَةٌ لِمَعَانٍ أَعْمَقَ فِي الْحَيَاةِ. فَمَنْ يَقِفُ عِنْدَهَا لَحْظَةَ تَأَمُّلٍ يَكْتَشِفُ أَنَّ صَمْتَهَا يَحْمِلُ دَرْسًا طَوِيلًا عَنِ الصَّبْرِ، وَأَنَّ ثَبَاتَهَا فِي الْأَرْضِ يَخْتَزِنُ طُمَأْنِينَةً لَا تَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَاتٍ. وَرُبَّمَا لِهَذَا تَبْدُو الشَّجَرَةُ أَكْثَرَ مِنْ كَائِنٍ يَنْمُو فِي التُّرَابِ؛ فَهِيَ حِكَايَةٌ صَامِتَةٌ عَنِ الزَّمَنِ، وَعَنِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَتَكَوَّنُ بِبُطْءٍ، وَعَنِ السُّكُونِ الَّذِي يُولَدُ بَعْدَ طَرِيقٍ طَوِيلٍ مِنَ التَّغَيُّرِ.
تَقِفُ الشَّجَرَةُ فِي الْأَرْضِ كَأَنَّهَا فِكْرَةٌ قَدِيمَةٌ عَنِ الصَّبْرِ، ثَابِتَةٌ فِي مَكَانِهَا بِلَا حَرَكَةٍ تَذْكُرُ، لَكِنَّهَا تَعِيشُ زَمَنًا يَمْتَدُّ أَحْيَانًا لِسَنَوَاتٍ طَوِيلَةٍ، وَفِي هَذَا الِامْتِدَادِ الطَّوِيلِ يَظْهَرُ جَمَالُ الصَّمْتِ الَّذِي تَخْتَزِنُهُ. مَنْ يَمُرُّ بِجَانِبِهَا قَدْ يَرَاهَا مُجَرَّدَ جَذْعٍ وَأَغْصَانٍ وَأَوْرَاقٍ، غَيْرَ أَنَّ التَّأَمُّلَ الْبَطِيءَ يَكْشِفُ أَنَّ فِيهَا مَعْنًى يَتَجَاوَزُ الشَّكْلَ. حَيَاتُهَا تَبْدَأُ مِنْ حَيْثُ لَا يَرَاهَا أَحَدٌ، مِنْ جُذُورِهَا الْغَارِقَةِ فِي التُّرَابِ الْعَمِيقِ، حَيْثُ تَمْتَدُّ فِي الْعَتْمَةِ بِصَبْرٍ هَادِئٍ، تَبْحَثُ عَنِ الْمَاءِ وَتَتَشَبَّثُ بِالْأَرْضِ دُونَ أَنْ تُلْفِتَ الِانْتِبَاهَ. هُنَاكَ تَكْمُنُ حِكْمَةُ الشَّجَرَةِ: أَنَّ الْقُوَّةَ لَا تُبْنَى فِي السَّطْحِ، بَلْ فِي أَعْمَاقِ الْمَكَانِ، وَفِي الْخَفَاءِ الَّذِي لَا يَرَاهُ أَحَدٌ. فَالْجُذُورُ تَصْنَعُ الصَّبْرَ، وَالصَّبْرُ يَصْنَعُ الْقُدْرَةَ عَلَى مُوَاجَهَةِ كُلِّ مَا يَأْتِي مِنَ الْخَارِجِ. وَكَأَنَّ الشَّجَرَةَ تَقُولُ لِلإِنْسَانِ: «لِتَصْبِرْ، عَلَيْكَ أَنْ تَغُوصَ فِي دَاخِلِكَ، لِتَثْبُتْ، عَلَيْكَ أَنْ تَمْتَلِكَ شَيْئًا أَعْمَقَ مِنْ كُلِّ مَا حَوْلَكَ».
وَمَعَ مَرُورِ الْوَقْتِ يَرْتَفِعُ الْجَذْعُ، مُمتَدًّا بَيْنَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاءِ، كَخَطٍّ صَامِتٍ يَرْبِطُ بَيْنَ الْوُجُودِ وَالْخُلُودِ، شَاهِدًا عَلَى تَغَيُّرِ الْفُصُولِ وَمُرُورِ الْأَعْوَامِ. تَقِفُ الشَّجَرَةُ بِلَا كَلَامٍ، لَكِنَّهَا تَتَفَاعَلُ مَعَ الرِّيَاحِ، تَتَمَايَلُ أَحْيَانًا لَكِنَّهَا لَا تَنْهَارُ، فَهِيَ تَعْرِفُ كَيْفَ تَحَافِظُ عَلَى تَوَازُنِهَا. هَذَا الْوُقُوفُ الطَّوِيلُ يُعْكِسُ مَعْنَى الثَّبَاتِ الَّذِي لَا يَعْتَمِدُ عَلَى الْقُوَّةِ الْعَنِيفَةِ، بَلْ عَلَى مَعْرِفَةٍ دَقِيقَةٍ لِكَيْفِيَّةِ التَّعَامُلِ مَعَ الْعَوَاصِفِ. فَالْمَرُونَةُ هُنَا لَيْسَت ضَعْفًا، بَلْ حِكْمَةً، وَسِرُّ الْبَقَاءِ يَكْمُنُ فِي التَّكَيُّفِ مَعَ حَرَكَةِ الْعَالَمِ دُونَ أَنْ تَفْقِدَ جَوْهَرَهَا. وَمِنَ الْجَذْعِ تَمْتَدُّ الْأَغْصَانُ، تَتَفَرَّعُ فِي الْهَوَاءِ بِلَا اسْتِعْجَالٍ، تَبْحَثُ عَنِ الضَّوْءِ كَمَا لَوْ أَنَّهَا تَسْعَى دَائِمًا لِإِيجَادِ مَعْنًى جَدِيدٍ فِي كُلِّ يَوْمٍ. تَحْمِلُ الْأَوْرَاقَ فِي الرَّبِيعِ كَأَنَّهَا وِلَادَةٌ جَدِيدَةٌ، وَتَتَحَمَّلُ حَرَارَةَ الصَّيْفِ بِصَبْرٍ صَامِتٍ، ثُمَّ تَتْرُكُ بَعْضَهَا يَسْقُطُ حِينَ يَأْتِي الْخَرِيفُ دُونَ مُقَاوَمَةٍ. فَهِيَ تَفْهَمُ أَنَّ مَا يُفْقَدُ فِي مَرْحَلَةٍ مَا قَدْ يَعُودُ فِي شَكْلٍ آخَرَ مِنَ الْحَيَاةِ، وَأَنَّ التَّغَيُّرَ جُزْءٌ لَا يَتَجَزَّأُ مِنَ الْبَقَاءِ. هَذَا الِامْتِدَادُ الْبَطِيءُ لِلْأَغْصَانِ يُذَكِّرُنَا بِأَنَّ النُّمُوَّ الْحَقِيقِيَّ يَحْتَاجُ إِلَى وَقْتٍ طَوِيلٍ، وَأَنَّ مَا يَبْدُو بَسِيطًا فِي الْبِدَايَةِ يُصْبِحُ بَعْدَ سَنَوَاتٍ مُمتَدَّةٍ شَبَكَةً مُتِينَةً مِنَ الْخِبْرَةِ وَالصَّبْرِ وَالْمَعْرِفَةِ. وَهَكَذَا تَبْدُو الشَّجَرَةُ كَأَنَّهَا تَأَمُّلٌ حَيٌّ فِي مَعْنَى الزَّمَنِ: الْفَقْدَانُ لَا يُنْهِى، وَالتَّغَيُّرُ لَا يُدْمِرُ، وَالنُّمُوُّ لَا يَتَسَرَّعُ، وَكُلُّ شَيْءٍ يَتَّبِعُ دَوْرَةً دَقِيقَةً تَضْمَنُ اسْتِمْرَارَ الْحَيَاةِ بِأَبْهَى صُوَرِهَا.
وَحِينَ تَكْبُرُ الشَّجَرَةُ، يُصْبِحُ ظِلُّهَا هَدِيَّةً هَادِئَةً لِكُلِّ مَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهَا. يَكْفِي أَنْ يَقِفَ الْمَرْءُ تَحْتَ أَغْصَانِهَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ لِيَشْعُرَ أَنَّ الْعَالَمَ كُلَّهُ أَصْبَحَ أَخَفَّ قَلِيلًا، وَأَنَّ قَلْبَهُ يَجِدُ مَكَانًا يَسْتَقِرُّ فِيهِ بَعِيدًا عَن صَخَبِ الْحَيَاةِ. الشَّجَرَةُ لَا تَتَحَدَّثُ، لَكِنَّهَا تَمْنَحُ شُعُورًا بِالطُّمَأْنِينَةِ، كَأَنَّهَا تَحَوِّلُ كُلَّ صَبْرِ الْجُذُورِ وَثَبَاتِ الْجَذْعِ وَنُمُوِّ الْأَغْصَانِ إِلَى مِسَاحَةٍ مِنَ السُّكُونِ فِي النَّفْسِ.
رُبَّمَا لِهَذَا تَبْدُو الشَّجَرَةُ أَكْثَرَ مِنْ مُجَرَّدِ كَائِنٍ يَنْمُو فِي الْأَرْضِ؛ فَهِيَ دَرْسٌ صَامِتٌ فِي مَعْنَى الْحَيَاةِ. فَمِنْ جُذُورِهَا نَتَعَلَّمُ الصَّبْرَ، وَمِنْ جَذْعِهَا نَفْهَمُ الثَّبَاتَ، وَمِنْ أَغْصَانِهَا نُدْرِكُ أَنَّ النُّمُوَّ يَحْتَاجُ وَقْتًا طَوِيلًا، وَحِينَ نَتَأَمَّلُ ظِلَّهَا الْهَادِئَ نَكْتَشِفُ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ لَيْسَت شَيْئًا بَعِيدًا، بَلْ حَالَةً تَنْمُو بِبُطْءٍ دَاخِلَ مَنْ تَعَلَّمَ كَيْفَ يَصْبِرُ وَيَثْبُتُ. وَهَكَذَا تَبْقَى الشَّجَرَةُ وَاقِفَةً فِي مَكَانِهَا، لَا تَقُولُ شَيْئًا، لَكِنَّهَا تَتْرُكُ فِي نَفْسِ مَنْ يَتَأَمَّلُهَا فِكْرَةً عَمِيقَةً: أَنَّ الْقُوَّةَ الْحَقِيقِيَّةَ هَادِئَةٌ، وَأَنَّ مَا يَثْبُتُ طَوِيلًا فِي الْأَرْضِ يَظَلُّ قَادِرًا عَلَى مَنْحِ السُّكُونِ لِمَنْ يَقْتَرِبُ مِنْهُ.
بِقَلَمِ رُوزابِيل – أَكْتُبُ لِأَفْهَمَ، لَا لِأُفْهَمَ.
مَعَ كُلِّ الِامْتِنَانِ.




الشجرة:حياك الله على ذا المقال🫡
شكرا على هذا المقال الآن أصبحت ارى الشجرة من منظور آخر 🌳❣️