هَذَا المَقَالُ رِحلَةٌ فِي أَعْمَاقِ النَّفْسِ الإِنسَانِيَّةِ، نَتَأَمَّلُ فِيهَا هَذَا الشَّغَفَ المُبْهَمَ الَّذِي يَدْفَعُنَا نَحْوَ الكَمَالِ كَأَنَّهُ نَجْمَةٌ فِي أُفُقٍ بَعِيدٍ. نَسْأَلُ: هَلِ الكَمَالُ غَايَةٌ تُرْتَجَى أَمْ لَعْنَةٌ نَسِيرُ نَحْوَهَا وَنَحْتَرِقُ فِي نُورِهَا؟
إِنَّهُ تَأَمُّلٌ فِي الحُدُودِ الدَّقِيقَةِ بَيْنَ الطُّمُوحِ وَالهَوَسِ، وَفِي الحِكْمَةِ الكَامِنَةِ فِي نُقْصِنَا الَّذِي يُشَكِّلُنَا وَيُبْقِينَا أَحْيَاءَ.
يَسعَى الإِنسَانُ مُنذُ وُجُودِهِ لِبُلُوغِ الكَمالِ، كَأَنَّهُ يَلهَثُ وَرَاءَ سِرَابٍ لَا يُدرَك. يَظُنُّ أَنَّ الكَمالَ نِهَايَةُ النُّضجِ وَقِمَّةُ السُّموِّ، وَلَكِنَّهُ فِي الحَقِيقَةِ مِصْيَدَةٌ نَاعِمَةٌ تُغْرِيهِ حَتَّى يَقَعَ فِيهَا. فَمَا أَنْ يَتَحَوَّلَ الطُّمُوحُ النَّبِيلُ إِلَى هَوَسٍ حَارِقٍ، حَتَّى يَبْدَأَ الإِنسَانُ يَفْقِدُ مَعْنَى الإِنسَانِيَّةِ فِيهِ.
الكَمالُ الَّذِي نَتَحَدَّثُ عَنهُ لَيسَ تَطَلُّعًا لِلتَّقَدُّمِ، بَل شَغَفًا مَسْمُومًا بِالمُثَالِ المُطْلَقِ. يَظَلُّ المَهوُوسُ بِالكَمالِ يَطَارِدُ صُورَةً خَيَالِيَّةً لِنَفسِهِ، كَأَنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَمسَحَ كُلَّ نُقصٍ وَكُلَّ خَطَأٍ وَكُلَّ تَفَاصِيلَ تَجْعَلُهُ بَشَرًا. وَلَكِنَّهُ، فِي سَعْيِهِ هَذَا، يُفقِدُ عَفْوِيَّتَهُ وَرَاحَتَهُ وَقُدرَتَهُ عَلَى الاِستِمْتَاعِ بِاللَّحظَةِ.
يَستَيقِظُ كُلَّ صَبَاحٍ وَفِي صَدرِهِ نَاقِدٌ قَاسٍ، يُحَاسِبُهُ عَلَى كُلِّ تَفَاصِيلِ يَومِهِ: كَيفَ تَكَلَّمَ؟ كَيفَ تَصَرَّفَ؟ كَيفَ بَدَا فِي أَعيُنِ الآخَرِينَ؟ وَيَنَامُ وَهُوَ يُعِيدُ المَشَاهِدَ فِي ذَاكِرَتِهِ كَأَنَّهَا أَخْطَاءٌ يَجِبُ تَصْحِيحُهَا. يَظُنُّ أَنَّهُ يَسعَى لِلتَّطَوُّرِ، وَفِي الحَقِيقَةِ هُوَ يَبْنِي سِجْنًا مِن المَقَايِيسِ وَالمُقَارَنَاتِ.
تُغَذِّي وَسَائِلُ التَّوَاصُلِ هَذَا الوَهْمَ بِمَشَاهِدِ الحَيَاةِ المُصَنَّعَةِ: وُجُوهٌ بِلَا تَّعَبٍ، أَجسَادٌ مُتَمَامَةٌ، نَجَاحَاتٌ لَا تَنْتَهِي. كُلُّ صُورَةٍ تُخْفِي خَلْفَهَا مَئاتِ اللَّحَظَاتِ المَسْحُوبَةِ وَالمَحْذُوفَةِ، وَمَعَ ذَلِكَ نُصَدِّقُ الوَهْمَ وَنَقِيسُ أَنْفُسَنَا عَلَيهِ. هَكَذَا يَتَحَوَّلُ الكَمالُ مِن رَغْبَةٍ فِي الإِتْقَانِ إِلَى صِرَاعٍ دَاخِلِيٍّ يَسْرِقُ سَلامَنَا.
وَيَظَلُّ الأَدَبُ وَالفَنُّ المَلْجَأَ الَّذِي يُذَكِّرُنَا أَنَّ النَّقْصَ جَمَالٌ، وَأَنَّ الانْكِسَارَ صُورَةٌ أُخرَى مِن الكَمَالِ. فَالكَلِمَةُ الَّتِي تُؤثِّرُ فِينَا لَا تَأتِي مِن مَوضُوعٍ كَامِلٍ، بَل مِن قَلبٍ مَجْرُوحٍ وَتَجْرِبَةٍ صَادِقَةٍ. وَاللَّحْنُ الَّذِي يَمَسُّنَا لَا يَكُونُ الأَكْمَلَ عَزفًا، بَل الأَصْدَقَ إِحْسَاسًا.
الكَامِلُ لَا يُبْدِعُ، لِأَنَّهُ لَا يَخَافُ وَلَا يُخْطِئُ. وَمَن لَا يُخْطِئُ لَا يَتَعَلَّمُ، وَمَن لَا يَتَعَلَّمُ يَتَحَجَّرُ. وَفِي الحَقِيقَةِ، لَا يُوجَدُ كَمَالٌ فِي مَخْلُوقٍ، بَل فِي رِحلَتِهِ الدَّائِمَةِ لِلفَهْمِ وَالتَّغَيُّرِ.
لَعَلَّ التَّقَبُّلَ أَسمَى مِن الكَمَالِ، وَالعَفْوَ عَنِ الذَّاتِ أَعمَقَ مِن أَيِّ إِتْقَانٍ مَصْنُوعٍ. لِذَا، لَا بَأْسَ أَنْ نَكُونَ نَاقِصِينَ؛ فَالنَّقْصُ هُوَ الَّذِي يُبْقِينَا أَحْيَاءَ وَقَادِرِينَ عَلَى النُّمُوِّ.
> فَرُبَّمَا يَكُونُ الكَمالُ الحَقِيقِيُّ،
أَنْ نَتَقَبَّلَ أَنَّنَا لَنْ نَكُونَ كَامِلِينَ أَبَدًا.
فِي الخِتَامِ
رُبَّمَا نَحْتَاجُ أَحْيَانًا أَنْ نُغْلِقَ العَينَ لَا لِكَيْ نَتَجَنَّبَ العَالَمَ، بَل لِنَرَى ذَوَاتَنَا كَمَا هِيَ: غَيرُ كَامِلَةٍ وَلَكِنْ صَادِقَةٌ. لَيْسَتِ القِصَّةُ فِي أَنْ نُصْبِحَ مِثَالِيِّينَ، بَل فِي أَنْ نَبْقَى بَشَرًا نَتَعَثَّرُ وَنَنْهَضُ وَنُحِبُّ وَنَغْفِرُ.
فِي كُلِّ نُقصٍ فِينَا، بَذْرَةُ جَمَالٍ خَفِيٍّ، وَفِي كُلِّ خَطَأٍ حِكْمَةٌ تَتَشَكَّلُ.
لِذَا، لَا تَخَفْ مِن كَسْرٍ صَغِيرٍ فِي صُورَتِكَ، فَرُبَّمَا كَانَ هُوَ المَكَانَ الَّذِي سَيَدخُلُ مِنْهُ النُّورُ.
لَعَلَّ أَجمَلَ مَا فِينَا، هُوَ أَنَّنَا نَنْقُصُ فَنَكْتَمِلُ كُ
لَّ يَوْمٍ بِطَرِيقَةٍ جَدِيدَةٍ.
بِقَلَمِ رُوزابِيل – أَكْتُبُ لِأَفْهَمَ، لَا لِأُفْهَمَ.




"أول مقال من سلسلة "وعي
ما ادري ليه دايم تحطّون الكمال كوحش يطاردكم. بينما أنا أشوفه مثل رجل وسيم يوقف عند بابك، مغري جدًا بس مستحيل يدخل.
تجلسي تبصّي عليه، تتمنّي توصلي له، بس الحقيقة؟ الجاذبية مو فيه… الجاذبية فيك إنتِ وأنتي تركضين ورا خياله.
النقص اللي تكرهونه هو اللي يخليكم مثيرين. لأن الإنسان الكامل ما يشتهي أحد يسمعه… ما يغلط… ما ينكسر… ما يعترف.
وصدقني: الكمال مثل جسد منحوت بالرخام، يلمع… بس بارد، بلا حرارة، بلا حياة.
أنا أحب الكسر الصغير في الصورة.
أحب الشقوق اللي يدخل منها النور.
أحب لحظة الاعتراف بالعيب اللي تخلي القلب يذوب قبل العقل.
لأننا ما نكتمل يوم نصير مثاليين… نكتمل يوم نقول: “إيه، أنا ناقصة… بس نقصتي تصنعني.”
فـ خليني أصدمك بخلاصة: الكمال ما هو لعنة، ولا حتى غاية. الكمال لعبة… ولذّتها إنك تلعبيها وتخسريها بوعي. 😉